حبيب الله الهاشمي الخوئي
77
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
انضمّت واجتمعت ، وهو كناية عن شدّتها وصعوبتها ، لأنّ الجيوش إذا اجتمعت كلها واصطدم الفيلقان كان الأمر أصعب وأشدّ من أن تتفرّق ويحارب كلّ كتيبة كتيبة أخرى في بلاد متباعدة ، ومن روى قلصت عن حربكم فالمراد إذا انكشفت كرائه الأمور وحوازب الخطوب عن حربكم . ( وشمّرت عن ساق ) أي شمّرت الحرب ورفعت السّاتر عن ساقها وهو كناية عن اشتدادها والتحامها على سبيل الاستعارة ، والغرض تشبيه الحرب بالمجد في أمر الساعي فيه ، فانّ الانسان إذا جدّ في السّعي شمّر عن ساقه ودفع ثوبه لئلَّا يعوقه ويمنعه ، وربما قيل بأنه جار على الحقيقة ، ومعنى السّاق الشدّة ، أي كشفت عن شدّة ومشقّة وبه فسّر قوله سبحانه : * ( يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ ) * . ( وضاقت الدّنيا عليكم ضيقا ) بطروق الخطوب وابتلاء المصائب حالكونكم ( تستطيلون أيام البلاء عليكم ) وذلك لأنّ أيام البلاء تكون في نظر الانسان طويلة وأيام السعة والرّخاء قصيرة قال الشاعر : فأيّام الهموم مقصّصات وأيّام السّرور تطير طيرا ( حتّى يفتح اللَّه لبقيّة الأبرار منكم ) يحتمل أن يكون المراد ببقية الأبرار أولادهم وإن لم يكونوا أبرارا في أنفسهم إن كان إشارة إلى ظهور دولة بني العباس إلَّا أنّ الأظهر أنّ المراد هو ظهور الدّولة الحقّة القائميّة عجّل اللَّه له الفرج وأقرّ اللَّه عيون مواليه بظهوره عليه السّلام . ( إنّ الفتن إذا أقبلت شبّهت ) أي جعلت نفسها أي الأمور الباطنة شبيهة بالحقّ ، أو أشكل أمرها والتبس على الناس ( وإذا أدبرت نبهت ) أي أيقظت القوم من نوم الجهالة وظهرت بطلانها عليهم ، ألا ترى أنّ الناس كانوا في بدو فتنة الجمل والنهروان في حيرة واشتباه لا يدرون أنّ الحقّ في أيّ الجانبين ، فلمّا انقضت الحرب ووضعت أوزارها ارتفع الاشتباه وتميّز الحقّ من الباطل وانتبه القوم من جهالتهم .